الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
17
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
والتحقيق أن يقال : إنّ تحصيل العلم إذا كان من الواجب العيني أو الكفائي الذي لا يتصدّى له من به الكفاية كان أهمّ في نظر الشارع المقدّس من تحصيل الرزق الواجب - وذلك إذا كان قوام أمر المسلمين وحفظ الدين وسنّة خير المرسلين والأئمّة الطاهرين منوطا به ، أو يتوقّف أمر دين نفسه عليه ، وبدونه يخطأ الصراط المستقيم - اللّهمّ إلّا إذا وقع هذا الشخص في التهلكة ولم يكن هناك بيت المال يدرّ عليه . نعم لعلّ العلم ببعض المسائل الفقهية غير المهمّة ليس في هذا الحدّ ، فحينئذ يمكن تقديم طلب الرزق عليه ، وبالجملة لا بدّ من ملاحظة الأهمّ والمهمّ في كلّ باب لا الحكم العامّ ، هذا أوّلا . وأمّا ثانيا - فانّ قياس فعل الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام بل وبعض السلف الصالح على العلماء في أعصارنا وما أشبهه قياس مع الفارق ، لعدم حاجة المعصومين إلى تحصيل العلم بمثل ما نحتاج إليه ، وعدم حاجة علماء السلف بمقدار ما نحتاج إليه اليوم كما لا يخفى ، فانّ العلوم قد وسّعت نطاقها وقد قال شيخنا الأنصاري قدّس سرّه : « الاجتهاد في عصرنا أشدّ من طول الجهاد » ، ولا يختصّ ذلك بعلماء الدين ، بل العلماء من سائر العلوم مثلهم من هذه الجهة ، فلا يمكنهم الاشتغال بطلب الرزق عند اشتغالهم بطلب العلم غالبا ، فلا تغترّ إذا بكلمات بعض الجهلة في عصرنا من إشكالهم على علماء الدين بأنّهم لما ذا لا يشتغلون بأمر الرزق ؟ وثالثا : ما قد يتوهّم من أنّ ذلك مصداق إلقاء كلّهم على الناس واضح البطلان ، فإنّ أمر معاش الناس متوقّف على نظام المجتمع والأمن والأمان ، وهما لا يحصلان إلّا بتهذيب النفوس وفي ضوء الإيمان ، ومن المعلوم أنّ علماء الدين هم الذين يتصدّون لهذا الأمر ، فعملهم لا ينحصر في إحياء أمر المعاد ، بل يكون إحياء لمعاش الناس ونظم مجتمعهم أيضا . السّادس : أقسام ما يكتسب به ذكر في الحدائق والشرائع تقسيم ما يكتسب به إلى : محرّم ومكروه ومباح ، ولكن العلّامة رحمه اللّه في القواعد قسّم المتاجر بالأقسام الخمسة ، فالتقسيم الأوّل باعتبار المحلّ ، والثاني باعتبار الفعل القائم به ، ولكن حيث يوجد في أقسامه ما يكون من قبيل المحلّ